محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

42

الإنجاد في أبواب الجهاد

فإذا تقرَّر ذلك ، فللقيامِ بالجهاد من حيث الحاجة والاستغناء ؛ ثلاثة أحوال : حالٌ يكون فيها الجهادُ فَرضاً في الجملة على الكفاية ، وحالٌ يكون فيها فرضاً على الأعيان ، وحالٌ يكون فيها نَفْلاً . فأما الحالة الأولى : حيث يكون الجهاد فرضاً في الجملة ؛ فهي حالة الأصل التي تَقدَّم فرضُ القتال فيها على الكفاية ، وذلك مالم يَعْرض عارضٌ ينقل الفرضَ إلى التعيين ، فواجبٌ على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداءً ، وجهادهم على الإيمان ؛ ولتكون كلمة الله هي العليا ؛ حتى يقهروهم ، ويضطروهم إلى أَوْكَسِ الأحوال ، المرَّة بعد المَرَّة ، قال بعض أهل العلم ( 1 ) : وأَقلُّه مرةً في العام ، وهذا عندي صحيح ( 2 ) ؛ لأنه قد تقدم أن الجهاد فرضٌ يتكرر على الكفاية ، ولم يجعل الله - تعالى - لمن أبَى على مرِّ الأعصار غايةً يتعقبها الكَفُّ إلا بأحدِ أمرين : إما أن يدخلوا في الإسلام ، وإمّا أن يُؤدُّوا الجزية ، - على خلافٍ فيمن تُقبل الجزية منهم ، نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى - . قال الله - سبحانه - : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } - أي : شركٌ - : { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله } [ الأنفال : 39 ] ، وقال - تعالى - : { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ

--> = كلمة « وألسنتكم » ؛ لأنها تتمة لفظ الحديث . وقد مضى تخريجه في أول الباب . فانظره هناك . وهو صحيح . ( 1 ) هو مذهب الحنابلة ، انظر : « المغني » ( 13 / 10 - ط . هجر ) ، و « المقنع » ، و « الشرح الكبير » و « الإنصاف » ( 10 / 12 - كلها مطبوعة مع بعضها - ط . هجر ) . قالوا : لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام ، وهي بدلٌ عن النُّصرة ، فكذلك مُبْدلُها وهو الجهاد ، فيجب في كل عام مَرَّةً ، إلا من عُذرٍ . وهذا - أيضاً - مذهب الشافعية كما في الهامش الآتي . ( 2 ) قال بدر الدين بن جماعة في كتابه : « تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام » ( ص 155 ) : ثم إن كان المسلمون مستظهرين على عدوهم ، فأقل ما يجزيء في كل سنة غزوة ، فلا يجوز خلوّ دين الإسلام عنها ، إمّا بنفس الإمام أو نائبه ، في سريةٍ أو جيشٍ ونحوه ، فإن عطّل السلطان سنة من غير عذرٍ أثم ، وإن دَعَت الحاجة إلى أكثر من غزوةٍ في السنة وجب بقدر الحاجة . ا . ه‍ كلامه - رحمه الله - . وانظر : « المهذب » للشيرازي ( 2 / 227 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 208 ) .